⚔️ من قصص كرم الشيخ عبدالكريم الجربا (ابوخوذة) شيخ شمر
حكايات هذا الشهم الكريم غزيرة، وقد تنافس الشعراء الذين عاصروه على نظم أجمل القصائد في مدح خصاله، وبالأخص جوده وكرمه. ونادراً ما تجد شاعراً معاصراً لم يقصده مادحاً، فينال نصيبه الوافر من عطائه.
وهذه القصة تُعدّ نموذجاً فريداً يجسد كرم العرب، حتى مع من يرتكب الخطأ:
اللص والبرد القارص
يروي الرواة أن “حايفاً” (وهو اللص الذي يباغت القوم نياماً أو على غفلة ويسرق الإبل ويهرب بها تحت جنح الليل) أقدم على حوم بيت عبد الكريم الجربا. كان الجو في تلك الليلة قارساً وبارداً إلى أقصى حد، لدرجة أن الإبل كانت باركة أمام البيت، متراصة بعضها ببعض.
اختبأ الحايف بين هذه الإبل، وبدأ محاولاته المضنية لتقويمها وفك عِقالها (رباط ساقها) ليهرب بما استطاع منها. ولكن الإبل، بسبب شدة البرد، عصت أو رفضت النهوض. ظل يتجول بينها، وكلما دفع إحداها، رفضت القيام.
وهنا، بدأت الكارثة تنقلب عليه هو نفسه. أدركه الهلاك، تجمدت يداه وأعياه البرد الشديد. لم يجد أمامه ملاذاً إلا بيت عبد الكريم ذاته.
تسرب الحايف إلى داخل البيت والقوم نيام، وتوجه إلى مكان النار وجلس. بدأ يحفر الرماد بيديه المرتجفتين، يبحث عن أي دفء علّه يغيث يديه المتجمّدتين. كان عبد الكريم نائماً في الجزء الآخر من البيت، يفصل بينه وبين المجلس (الرفه) مجرد رواق قماشي.
سمع الشيخ حركته، فنهض وتوجه إليه. لم يتفوه عبد الكريم بكلمة واحدة حينما رأى حال الرجل. فما كان منه إلا أن خلع فروته (المصنوعة من جلد الغنم) من على ظهره، ورماها على الحايف دون أن ينطق ببنت شفة، ثم عاد إلى فراشه.
شعر الحايف بالدفء يسري في أوصاله من الفروة الثمينة، فاستسلم للنوم في مكانه من شدة التعب والإعياء الذي نال منه البرد.
العطية التي لم تُردّ
وبعد أن انتهى من حديثه، أردف بهذه الأبيات:
من واهج ينفح على البيت ويزير
لولا أبو خوذه كان هذا مماتي
في سهلتن ما تلقى به حوافير
عطيته ما هي من البيناتي
فروة وكن عازلن لي مغاتير
ما إن انتهى الحايف من قصيدته وكلامه، حتى قال له الشيخ عبد الكريم الجربا: “شوف ذود المغاتير” (أي قطيع الإبل البيض التي كنت تحوم حولها بالأمس) “خذ ثلاث من الي تبي منها وتوكل على الله”.
أراد الرجل أن يخلع الفروة ويعيدها للشيخ، فقال الشيخ بكلمته الخالدة: “خلها عليك. نحن ما نرد عطايانا.”
بعد أن انصرف الرجل، التفت بعض حضور المجلس إلى الشيخ متسائلين: “يا شيخ، جاء حايف يعني يبي يسرق، وتعطيه ثلاث نوق؟! يكفيه إبقاؤك على حياته.” (بمعنى أن مجرد العفو عنه بعد دخوله بطريقة غير مشروعة هو كرم كاف).
فأجابهم عبد الكريم الجربا بعبارة تختصر كل شيء: “اسمي عبد الكريم والله هو الكريم، وهو اللي عطاه.”