اعتمدنا في هذا المقال على (مهرجان بيش التراثي)
تُعدّ منطقة جازان، أو “عروس الجنوب” كما تُلقب، خزانًا ثقافيًا فريدًا في المملكة العربية السعودية، حيث تتميز بتقاليد وعادات اجتماعية ضاربة في القدم، وتتجلى هذه الخصوصية بأبهى صورها في مراسم الفرح والزواج. إنّ العرس الجازاني ليس مجرد ليلة، بل هو احتفالية ممتدة على مدار خمس ليالٍ متتالية، تتشابك فيها الأهازيج الشعبية مع نقوش الحناء المعقدة والروائح العطرية للزهور المحلية، لتشكل نسيجًا اجتماعيًا وفنيًا لا مثيل له.
يهدف هذا المقال إلى تحليل وتوثيق هذه الليالي الخمس المباركة، مستندين إلى التفاصيل الدقيقة الواردة في التراث المحلي والمستعرضة ضمن فعاليات مجتمعية حديثة، وتحديداً في مهرجان بيش للتسوق والترفيه، الذي جسّد هذه الطقوس بمشاركة فعّالة من الأسر المنتجة بجمعية البر والخدمات الاجتماعية بمحافظة بيش. وسنعمل على دمج وتحليل جميع المعلومات المتاحة لتقديم صورة شاملة وعميقة عن هذا الموروث.
أولاً: الإطار العام للعرس الجازاني.. الملامح والمدد الزمنية
1. المدة الاستثنائية للبهجة: العرس خماسية الليالي
تختلف طقوس الزواج في جازان عن كثير من مناطق المملكة، ليس فقط في تفاصيلها، ولكن في مدتها الزمنية التي تُعطي بُعداً اجتماعياً عميقاً للمناسبة. الفرح في جازان، كما ورد في التوثيق المحلي، يستمر لمدة خمس ليالٍ كاملة، وهي مدة تسمح للأهل والأقارب والجيران بتعزيز الألفة والمحبة والمشاركة الوجدانية في كل مرحلة من مراحل الزواج. هذه الليالي الخمس هي:
-
ليلة الملكة (عقد القران والبداية الرسمية).
-
ليلة الحناء أو الغمرة.
-
ليلة الحمل أو التنشير (نقل جهاز العروس).
-
ليلة الزفة أو الدخلة (مراسيم الزواج الرسمي).
-
ليلة الخيلة أو العضية (ليلة تزين العروس بالزي التراثي).
-
ليلة النقول (أو الدخولية حاليًا) (الانتقال لمنزل العريس).
ملاحظة تاريخية: تشير بعض المراجع التراثية إلى أن مدة الزواج كانت تمتد في بعض القرى والمحافظات الجازانية إلى سبعة أو ثمانية أيام، تبدأ بـ “ليلة الخدرة” (1.2) حيث تُنصب خيمة كبيرة للرجال يُطلق عليها اسم “الخدرة” يتم تزيينها بالخشب والشراع، ويُقام فيها رقص “الكاسر” وأهازيج مثل: “ركب خدرته سعيد الفال.. ركب خدرته على القماري”. هذا التباين في عدد الليالي يوضح أن العادات تختلف من محافظة إلى أخرى ومن قبيلة إلى أخرى، لكن جوهر الاستمرارية والاحتفال الممتد يبقى السمة الأبرز.
2. تجسيد التراث في المناسبات الحديثة: مهرجان بيش نموذجاً
تتجه الفعاليات المجتمعية والثقافية في المنطقة للحفاظ على هذا التراث الحي. وقد شهد مهرجان بيش للتسوق والترفيه تجسيداً عملياً لهذه العادات. كان مساء ليالي العيد مزينًا بفقرات استعراضية، حيث شاركت الأسر المنتجة التابعة لجمعية البر والخدمات الاجتماعية بمحافظة بيش.
-
دور الأسر المنتجة: تمثل هذه الأسر حلقة الوصل بين الماضي والحاضر، حيث تقوم نساء متخصصات بتجسيد وتطبيق طقوس الزواج (كالحناء وتجهيز العضية والميل)، مما يضمن استمرارية نقل هذه المهارات جيلاً بعد جيل.
-
دور جمعية البر ببيش: بالإضافة إلى دورها الإغاثي والتنموي (كتمويل وتأهيل المقبلين على الزواج) (3.1، 3.3)، تلعب الجمعية دورًا في التنمية الاجتماعية والثقافية من خلال دعم المشاركات النسائية في المهرجانات، وتقديم صورة حية للأجواء الاحتفالية الجازانية، وتأكيد الهوية التراثية لمحافظة بيش.
3. الأهازيج والطرب الجازاني البيشي: روح الفرح
يعتبر الطرب والأهازيج عمودًا فقريًا في أفراح جازان. يتميز الطرب الجازاني البيشي بخصوصية ضمن التراث الجنوبي، حيث يتنوع ما بين الأناشيد الجماعية (التي تُطلق عليها المنشدات أثناء الحناء أو الحمل) والرقصات الرجالية القوية. يضم الاحتفال:
-
أهازيج وطرب جازاني بيشي: هذا التراث الغنائي والموسيقي يساهم في نقل صورة حية عن ثقافة المنطقة، ويجسد المشاعر المصاحبة لكل مرحلة من مراحل الزواج.
-
دق الدفوف والزغاريد: هي الإيقاع النسائي الثابت الذي يصاحب جميع الليالي، خصوصًا في ليلة الحناء وليلة الحمل، حيث يمتزج صوت الدفوف بإيقاع الأقدام والرقصات.
ثانياً: تفصيل ليالي الفرح الخمس (والسادسة)
يتم تنظيم ليالي الزواج بطريقة متسلسلة ومنظمة، حيث تخصص كل ليلة لمراسم محددة:
1. ليلة الملكة (عقد القران): البداية الرسمية والفصل بين الطقوس
تُعدّ هذه الليلة هي نقطة الانطلاق الرسمية لمراسم الفرح، وتتميز بتركيزها على الفصل بين طقوس الرجال والنساء:
-
مراسيم الرجال:
-
عقد القران: يجتمع الرجال لإتمام عقد الزواج.
-
الألعاب والرقصات الشعبية: عقب العقد، تبدأ الفعاليات الرجالية والتي تشمل رقصات مميزة لمنطقة جازان، مثل رقصتي:
-
العزاوي.
-
الزيفة.
-
-
-
مراسيم النساء (أهل العريس):
-
نقش الخضاب والحناء: تقوم النساء من أهل العريس وقريباتهن وصديقاتهن بنقش الحناء (أو الخضاب) على الكفوف والأقدام كبداية للاحتفال.
-
تزيين الشعر بالـ “العضية” أو “السحلة”: يتم تزيين رؤوس النساء بزهور عطرية مختلفة الأشكال وجميلة الرائحة، وهي: الفل، والخضار، والكادي. تتولى نساء متخصصات وضع وتزيين هذه الزهور بطريقة منتظمة وجميلة، ويُعرف هذا التزيين باسم (العضية أو السحلة) (وهي تسمية تُستخدم أيضاً لوصف التسريحة نفسها في ليلة الخيلة).
-
طقس “الحم”: يُشير هذا الطقس إلى أن أهل العريس يحضرون معهم أنواعاً من الفواكه مثل التفاح والبرتقال والموز، بالإضافة إلى الحلويات والمشبك. تقوم أم العروس في الصباح بتقسيم هذه الهدايا على الجيران كنوع من الترحاب (1.1).
-
-
وليمة الغداء: يخصص اليوم التالي لليلة الملكة لتناول طعام الغذاء، ويكون ذلك عند أهل العريس، ويكتفي الحضور من الرجال بهذه المراسم قبل أن تبدأ ليالي الزواج المتنوعة.
2. ليلة الحناء أو الغمرة: فن النقش وتتويج العروس
تُعدّ هذه الليلة هي الأهم للعروس وأهلها، وتبدأ منذ شروق الشمس، حيث يطلق عليها “يوم الحناء” أو “ليلة الحناء”:
-
تجمع النساء: تجتمع نساء العائلة والأقارب والجيران والأصدقاء في منزل العروس تحديداً لغرض الحناء أو النقش.
-
لباس العروس: ترتدي العروس في هذا اليوم رداءً خاصًا ومزخرفًا ومطرزًا على الطريقة الهندية، يتكون من قطعتين: ثوب وطرحة طويلة.
-
مراسم النقش (فن الحناء الجازاني):
-
النقش الخاص: تجتمع النساء حول العروس أثناء النقش. يتم النقش على كفي العروس، وقد يمتد إلى قرب الأكتاف، كما يتم نقش الأرجل إلى قرب الركبتين.
-
التفرد والتميز: يتم نقش العروس بنقش يختلف عن نقوش بقية النساء، وقد يكون هذا النقش بأسلوب “الحشو” الذي يجعله أكثر تميزاً وامتلاءً (1.7).
-
أسماء النقوش: للنقوش أسماء كثيرة تعكس التراث القديم والحديث، مثل: القبضة، والهندي، والحشو، وعبده، وآمنه.
-
-
الجو الاحتفالي الموسيقي:
-
أثناء نقش الحناء، تدق الدفوف وترقص النساء حول العروس، وتنشد المنشدات ما بين نشيد وزغاريد وأهازيج جازانية.
-
-
المتخصصات (النقاشات): تحضر النقاشة الرئيسية محنيات ونقاشات أخريات لمساعدتها في عملها. فمنهن من تتفرغ لنقش العروس فقط، ومنهن من تكمل نقش بقية النساء، وقد تعمل بعضهن على العروس والبقية في نفس الوقت.
3. ليلة الحمل أو العضية: موكب الهدايا بين منزلين
تنقسم هذه الليلة بين أهل العريس وأهل العروسة، وهي الليلة المخصصة لنقل جهاز العروس والهدايا من بيت العريس إلى بيت العروس:
-
طقس “التنشير” (عند أهل العريس – صباحًا ومساءً):
-
في الصباح: يقوم أهل العريس من النساء بنشر وعرض ملابس العروسة التي قاموا بشرائها وتجهيزها.
-
مكان العرض: تُنشر هذه الملابس على الحبال داخل غرفة كبيرة تُسمى (المجلس).
-
في الليل: تُسمى هذه الليلة ليلة (التنشير) حيث تحضر النساء لمشاهدة هذه الملابس والهدايا.
-
الغناء والرقص: يبدأ الدق والرقص حتى ساعات متأخرة، وتغني النساء الأغاني الخاصة بهذه الليلة، ومنها:
-
“نشرنا ثياب العرائس / مقنع ميل وكرته مشاخص”
-
“محمد ثيابه منشره / والشبّان عليها مجاكره”
-
“محمد ثيابه دحين أجن / وطرح لها الميل من عدن”
-
“نشرنا ثيابه بتمها / وعد الفلوس في حب أمها”
-
-
-
موكب “الحمل” (عند أهل العروسة – مساءً):
-
محتويات الحمل: يقوم الرجال بتحميل (الحمل)، وهو يتكون من ملابس العروسة، الهدايا، الذهب، وبعض المواد الغذائية والأقمشة.
-
وسيلة النقل التراثية: يتم تحميل الحمل ووضعه على جمل في صندوق يعرف باسم (السيسم أو السيسن).
-
مسيرة الموكب: يسير الجمل في موكب فرح جميل، حيث يسلك الرجال طريقًا مع الحمل، بينما تسلك النساء طريقًا آخر مع دق الدفوف والزغاريد، وينشدن خلال سَيْرهن أهازيج موكب الحمل:
-
“ابوقناع قد سروا بحمله / والمصلع معاهم يرمي”
-
“رحضوا له وجابوا فسحة / راعي العود له متعنى”
-
“قد سرى هودنا بحمله / والطرب ليلته مدني”
-
-
-
الاستقبال و”ليلة البيات”:
-
يستقبل الموكب بالترحيب عند منزل العروسة، ويقوم الرجال بإنزال الهدايا.
-
ترجع النساء من أهل العريس لتغيير ملابسهن، ثم يذهبن مرة أخرى إلى منزل العروسة لاستكمال ليلة الفرح، وهو ما يعرف بليلة (البيات)، حيث يستمر الدق والرقص حتى قبيل دخول أذان الفجر.
-
4. ليلة الزفة أو الدخلة: تتويج العروسين على “القعادة”
هذه هي ليلة مراسيم الزواج الرسمي، وتأتي في اليوم التالي لليلة الحمل:
-
تجهيزات العروس:
-
تقوم سيدة متخصصة بتزيين شعر العروس بالطيب والعطور وتضفيره بطريقة معينة، وتضع عليه الفل والكادي لتبدو في كامل زينتها.
-
تتناول النساء (الأهل والصديقات) طعام الغداء مع العروس.
-
-
الاحتفال النسائي قبل الزفة:
-
في العصر يبدأ اللعب والرقص.
-
يتم التنقيط على العروسة بالنقود كدعم وتهنئة.
-
يستمر الدق والرقص إلى أذان المغرب أو من بعد العشاء غالباً.
-
-
مراسيم الزفة (الدخلة):
-
يزف العريس لعروسه بعد الانتهاء من تجهيزاتها بشكل كامل.
-
الكوشة والقعادة: تكون العروس في انتظاره على (الكوشة)، وهي عبارة عن مسرح مصغر مصنوع من قبل نجارين المنطقة. يوضع داخلها (القعادة)، وهي جلسة تشبه السرير مصنوعة من شجر السدر، ويزين بـ (الطفي)، وهي أغصان شجرة الدوم التي تشبه أشجار جوز الهند.
-
الرقص والنشيد للعروسين: عند جلوس العريس بجانب عروسه، يبدأ أهل العريس بالرقص والنشيد بجواره، وتكون الأناشيد عادة مخصصة باسم العريس (مثلاً إذا كان اسم العريس محمداً):
-
“محمد.. سلم واستلم / محمد.. راعي القلم”
-
“محمد صندوق سيسان / محمد وارد جيزان”
-
“محمد عدها ألوف / محمد في ديار الشيوخ”
-
“محمد حينما نوى / محمد طير الهوى”
-
“محمد لا هدر هدر / محمد كسر أمحجر
-
-
-
تطور الزي: ثوب الميل كان يلبس في هذه الليلة قديمًا، لكنه استبدل الآن بالفستان الأبيض (الذي يتميز بالطابع العصري)، ليصبح الميل زيًا خاصًا بالليلة التالية (ليلة العضية) أو يُلبس من قِبَل أهل العريس وقريباتهن وصديقاتهن في ليلة العقد والتنشير.
5. ليلة الخيلة أو العضية: ثوب الميل وعطر الكادي
تأتي هذه الليلة بعد ليلة الدخلة، وهي ليلة تُبرز الهوية التراثية للعروس بشكل خاص، حيث تُزين بأزياء تقليدية وزهور عطرية:
-
زي الميل (الزي التراثي):
-
تقوم العروس بلبس ثوب الميل، وهو ثوب كان يُجلب قديمًا من الهند أو عدن عبر التجار.
-
مواصفات الميل: ألوانه غالبًا ما تكون الأحمر، والأخضر، والعودي، أو الكحلي. يكون مطرزًا بتطريزات جميلة ونقوش من القصب أو الخيوط الذهبية، ويُعتبر غالي الثمن.
-
المقنع: تُوضع الطرحة أو (المقنع) على الرأس، والتي دخلتها تحديثات عصرية مع الاحتفاظ بالشكل الأساسي.
-
-
تزيين الشعر والروائح العطرية (العضية أو الولبه):
-
يُسرح شعر العروس بطريقة معينة تعرف بـ (العضية أو الولبه) وتختلف التسمية حسب القرى.
-
الطيب: يُوضع في الشعر الطيب، وهي مادة عطرية تُعجن مع الماء.
-
الزينة التراثية: يُجدل الشعر ويُرفع ويُلف، ويُربط فيه:
-
الكادي، والخضار، والبعثيران، وهي زهور عطرية متنوعة وجميلة الرائحة.
-
-
الشِمس أو الشماس: تُقص وتنظم حبات الجنيه الذهب وتُخاط في قطعة قماش بشكل مرتب وتُوضع في الأمام أعلى الجبين.
-
الكبش (عقد الفل): يُرص الفل بعد نظمه في خيوط أو (طغي) (وهو سعف النخيل المُجهز)، ليغطي كامل الشعر من أعلى إلى أسفل في شكل منظم وجميل. وتضع العروس في صدرها عقدًا كبيرًا من الفل يُعرف باسم (الكبش)، وله أشكال ومسميات كثيرة منها (المبروم) (2.4). تتزين العروس بالكامل بالذهب، وتفوح منها أجمل الروائح الطبيعية، وتسير بتخييلة عرس وموكب فرح ليس له مثيل.
-
-
البيات الثاني والجلاز:
-
تجتمع النساء مرة أخرى في منزل أهل العروسة للـ (البيات الثاني)، حيث يجتمعن للدق والرقص والنشيد.
-
يتم في هذه الليلة أو الأيام التالية طقس (الجلاز)، وهو إعطاء النقود للنساء اللاتي قمن بالدق والغناء طيلة الليالي والأيام.
-
بعد ثلاثة أيام من انتهاء الفرح، تقوم أم العروس بتقسيم وتوزيع الهدايا التي جاءت ليلة (الحمل) على أقارب العروسة وصديقاتها كهدية مقدمة منها.
-
6. ليلة النقول أو الدخولية: الختام والانتقال
تُعتبر هذه الليلة هي آخر ليالي ومراسيم الزواج، وتُسمى حاليًا بالدخولية:
-
التحضير الصباحي والاحتفال المبكر:
-
تُجهز العروس وأهلها في الصباح الباكر أو قرب الظهيرة لإحياء ليلة النقول بمنزل أهل العروس.
-
تقوم أم العروس أو إحدى قريباتها بتزيين العروس بـ (العضية) مجددًا (تزيين الشعر بالنباتات العطرية كلها من الكادي والخطور والبعيثران وتغطيتها بالفل).
-
تلبس العروس مجددًا ثوب الميل (الذي يتكون من ثلاث قطع: ما يشبه التنورة، والصدرية، وطرحة كبيرة).
-
تُعاد الأفراح في المساء بدق الدفوف والرقص.
-
-
مراسم النقول (الانتقال):
-
في هذه الليلة، تنتقل العروس من بيت أهلها إلى بيت عريسها وهو ما يُسمى بـ (النقول).
-
المهر والهدايا: يدفع العريس مبالغ وهدايا مقابل نقل عروسه لمنزله.
-
الموكب النهائي: تكون العروس راكبة فوق الجمل مع كامل أغراضها وأدواتها الشخصية (ملابس، عطورات، وأدوات تجميل).
-
طقس اللحاف: عند دخول العروس منزل العريس، يُفرش لها اللحاف (وهو قطعة من القماش الخاص بالزي الجازاني) لتمشي العروس عليه.
-
التعطير و دفع النقول: تُعطر العروس وهي واقفة على اللحاف، ويُدفع المبلغ الخاص بـ (النقول)، مع تجهيز الأهل لبعض من مستلزمات البيت كهدية لابنتهم.
-
ثالثاً: التعميق الثقافي والاجتماعي للعرس الجازاني
إن هذه المراسم الممتدة لا تُمثل مجرد مظاهر احتفالية، بل تعكس منظومة قيم اجتماعية وثقافية متكاملة (1.1).
1. أهمية الطقوس الممتدة (الخمس ليال):
-
تعزيز الألفة والمحبة: تتيح هذه الليالي المتتابعة فرصة لتعزيز الألفة والمحبة بين العائلتين والجيران والأهل. فالجميع يشارك ويحتفل ويشهد على تفاصيل الاستعدادات خطوة بخطوة.
-
التقدير المادي والمعنوي: يظهر التقدير المادي في طقوس مثل الحم، والحمل، والجلاز، والنقول، حيث يتم تبادل الهدايا والأموال كنوع من الدعم المادي للعروسين وتكريم للمشاركين.
2. التراث الفني والزي (ثوب الميل):
-
ثوب الميل (الحضارة والتجارة): إن ذكر أن ثوب الميل كان يُجلب من الهند أو عدن يؤكد الدور التاريخي لمنطقة جازان كمركز تجاري، حيث كانت تتأثر بطرق التجارة القديمة التي تصل إلى جنوب الجزيرة العربية، مما أثرى زيها الشعبي بالتطريزات الذهبية (القصب) والنقوش الهندية التي تظهر في نقش الحناء أيضًا (4.1). هذا الثوب يمثل اليوم هوية ثقافية تُقاوم الموضات الحديثة.
-
الزينة العطرية (الفل والكادي): استخدام الفل، والكادي، والخضار، والبعثيران، هو سمة مميزة لا تنفصل عن الزواج في جازان، حيث ترمز هذه الروائح إلى البهجة والاحتفاء. استخدام “الكبش” و”الشمس” يؤكد على ربط الزينة بالمنتجات الطبيعية والمجوهرات الثمينة (الجنيه الذهب)، مما يضيف بعدًا بصريًا وشميًا فريدًا للعروس.
3. الطقوس الاجتماعية المتميزة:
-
سمية العروس: من الطقوس الاجتماعية التي أشار إليها البحث هي ما يُعرف بـ “سمية العروس”، وهي واحدة من العائلة أو الصديقات تُسمى باسم العروس. وتُشرط أم العروس مبلغًا لـ “سميتها” يعطيه العريس، وتقوم هذه “السمية” بدورها باستقبال العروس ومرافقتها ودفع مصاريف عشاء أو “طِقّة” في اليوم التالي بمبلغ 10 آلاف ريال أو أكثر، كنوع من الدعم والاحتفاء الاجتماعي (1.1).
يمثل عرس جازان، وتحديداً في محافظة بيش، نموذجًا فريدًا للعمق الثقافي والاجتماعي. هو رحلة احتفالية تبدأ بـ “ليلة الملكة” والرقصات الرجالية (العزاوي والزيفة) و”العضية” النسائية، مروراً بـ “ليلة الحناء” ونقوشها الهندية، وذروتها في “ليلة الحمل” وموكب الجمل المحمّل بـ “السيسم”، وصولاً إلى “ليلة الدخلة” و”القعادة” ثم “ليلة العضية” بزينة ثوب الميل وعبق الفل. هذه الطقوس الخالدة، التي تحتضنها مهرجانات المنطقة، تُثري الهوية الوطنية وتُرسّخ قيم الألفة والمحبة بين الأهل والمجتمع.