الدراما السعودية.. بوابة الكشف عن خارطة اللهجات والهوية الجامعة
التنوع اللغوي في قلب المشهد الفني السعودي
شهدت الدراما السعودية في الآونة الأخيرة تحولاً نوعياً في تناولها للغة والحوار، حيث لم تعد اللهجة مجرد وسيلة للنطق، بل أصبحت عنصراً درامياً محورياً يكشف عن أبعاد الهوية الثقافية والجغرافية للمملكة. إن هذا التوظيف المنهجي للهجات المحلية، كما تجسد في أعمال بارزة مثل الزافر، ليالي الشميسي، وخيوط المعازيب، يضع الدراما في موضع الموثق الاجتماعي الذي يعكس حالة التطور والتنوع الذي تعيشه “السعودية العظمى”.
الدراما بوصفها مرآة للتعددية الثقافية
لقد أظهرت الأعمال الفنية كيف يمكن للهجة أن تضيء الزوايا المتباينة للهوية السعودية:
- التأصيل الجغرافي والزمني: قدمت مسلسلات مثل خيوط المعازيب (التي كرست اللهجة الحساوية الأصيلة) والعاصوف وشارع الأعشى (النجدية القديمة) جهداً لتوثيق فترات تاريخية وبيئات مكانية محددة. هذا التخصص يخدم هدف التوثيق الثقافي، حيث تصبح المفردات القديمة جزءاً من الأرشيف الحي للموروث اللغوي.
- الفسيفساء الإقليمية: كشفت أعمال أخرى عن التداخل اللهجي في منطقة واسعة، مثل مسلسل الزافر الذي قدم “مزيجاً من اللهجات الجنوبية” دون التقييد بمدينة واحدة، مما يعكس حقيقة التعدد الثقافي والامتزاج داخل الأقاليم الكبرى.
“اللهجة البيضاء”: جسر التواصل وعنوان الهوية الجامعة
على الرغم من أهمية الاحتفاء بالتنوع اللهجي، يبرز في المشهد السعودي صوت يدعو إلى ترسيخ اللهجة البيضاء الجامعة في الإنتاج الإعلامي ذي الطابع الوطني. هذا المفهوم، الذي تجسده بعض الأعمال مثل جريمة قلب، ليس إلغاءً للهجات، بل استراتيجية تواصل وطنية ضرورية:
- اللغة المشتركة (Koine): اللهجة البيضاء هي في الواقع اللهجة المنتشرة والسائدة التي تمثل خليطاً من لهجات ومفردات المناطق والقبائل المختلفة. وهي لغة التفاهم اليومي بين أبناء الوطن من كل منطقة، مما يجعلها الوسيلة الأكثر فاعلية في الفضاءات العامة.
- تعزيز الوحدة الوطنية: إن تكريس هذه اللهجة في الإنتاج الفني الكبير يخدم هدف تعزيز الهوية السعودية الجامعة، تلك الهوية التي تشكّلت عبر توحيد مناطق متعددة تحت راية واحدة بجهود الملك عبد العزيز رحمه الله. فالإعلام يجب أن يعكس هذه الهوية الكبرى، لتجنب تكريس “الهويات الصغرى” التي قد تغذي الانقسام الجهوي.
خارطة اللهجات السعودية: تنوع يُثري اللغة الأم
تتوزع اللهجات العربية في المملكة ضمن محاور جغرافية وقبلية وحضرية–بدوية، وتشكل خارطة لغوية ثرية، أهمها:
- اللهجات النجدية: وهي عصب الوسط، وتتفرع إلى الوسطى (الرياض)، والشمالية (حائل)، والجنوبية التي تختلط بلهجات الجنوب.
- اللهجات الخليجية والبحرانية: وتتركز في الشرقية مثل الأحساء والقطيف، وتمثل امتداداً للهجات الخليج.
- اللهجات الجنوبية: ومنها لهجات السراة (غامد، زهران) ولهجات تهامة (رجال ألمع)، وتظهر فيها آثار العربية الجنوبية القديمة مثل اللغة الخولانية.
الخلاصة:
إن الدراما السعودية اليوم تقف على مفترق طرق هام؛ بين الاحتفاء بالتفاصيل المحلية الدقيقة التي تثري الموروث، وبين تبني اللهجة البيضاء الجامعة التي تكرس الرسالة الوطنية الموحدة. وكلاهما يخدم في النهاية اللغة العربية الأم، ويؤكد أن السعودية هي عنوان لوطن ضخم عريق، تمتد هويته من الماء إلى الماء.