سور تيماء العظيم: حارس الصحراء العملاق وشاهد الحضارات
أطول سور أثري في الجزيرة العربية يكشف أسرار واحة تيماء القديمة
تخيّل جدارًا حجريًا يلفّ واحة خضراء وسط صحراء قاحلة، كأنه ذراع عملاقة تحمي قلبًا ينبض بالحياة منذ آلاف السنين. هذا هو سور تيماء، أطول سور أثري في الجزيرة العربية وواحد من أقدم الأسوار في العالم.
إن هذا الصرح العملاق شاهدٌ على أن هذه الأرض كانت – وما زالت – مهد حضارات عريقة ومنشأ للإنسانية الأولى. دعونا نتعمق في أسرار هذا الجدار المذهل.
الموقع الجغرافي: نقطة وصل تاريخية وشريان البخور
يقع السور في محافظة تيماء التابعة لمنطقة تبوك، شمال غرب المملكة العربية السعودية. كان موقعها الاستراتيجي يجعلها حلقة وصل حيوية بين جنوب الجزيرة وشمالها، وعقدة رئيسية على طريق البخور القديم بين اليمن وبلاد الشام والرافدين.

لرسم صورة واضحة للموقع:
- جنوب شرق تبوك بحوالي 265 كم
- شمال المدينة المنورة بحوالي 400 كم
- جنوب غرب منطقة الجوف بحوالي 350 كم
شكل السور وامتداده: عمارة صمدت 4000 عام
يحيط السور بواحة تيماء القديمة من ثلاث جهات (غربًا وجنوبًا وشرقًا)، تاركًا الجهة الشمالية مفتوحة أمام السبخة الملحية الواسعة التي شكّلت حاجزًا طبيعيًا طبيعياً. يتميز السور بالخصائص الهندسية التالية:
- الطول والامتداد: يبلغ طوله اليوم نحو 12–15 كيلومترًا، وشكله من الأعلى يشبه حرف C عملاق يعانق قلب الواحة.
- الارتفاع والعرض: يتراوح ارتفاعه بين متر واحد في الأجزاء المتآكلة وأكثر من عشرة أمتار في الأجزاء الشامخة، وعرضه يتراوح بين متر ومترين.
- مادة البناء: بُني أساسًا من حجارة صلبة في القواعد، ثم حجارة متوسطة أو لبن طيني في الأعلى، بطريقة المداميك المتقنة التي أثبتت كفاءتها لأكثر من أربعة آلاف عام.
متى بُني؟ قصة الملك البابلي نبونيد
أحدث الأبحاث العلمية (بما في ذلك تحليل الكربون-14) تؤرخ بدايات بناء السور إلى أواخر الألفية الثالثة أو بداية الألفية الثانية قبل الميلاد.
ولكن، لعل الفترة الأهم كانت في منتصف القرن السادس قبل الميلاد، عندما قام الملك البابلي نبونيد بتوسيع وتجديد السور. نبونيد اتخذ تيماء عاصمة صيفية له لنحو عشر سنوات، بعد أن أعجب بثرائها المائي، وظلال نخيلها، والأمان الذي يوفره هذا الجدار الضخم.

مسار السور وأبرز البوابات والأبراج الدفاعية
يشكل مسار السور رحلة تاريخية ممتعة، حيث يبدأ من وسط السبخة غرباً، يلتف حول قصر الحمراء، ثم ينحني جنوبًا ليستمر كـ”سور السموأل” حمايةً لحي القرية الأثري، ويتجه شرقًا محتضنًا عين العميم، ثم يعود ليختفي في السبخة مجددًا.
البوابات والأبراج الموثقة:
- تم توثيق خمس بوابات رئيسية حتى الآن (أوسعها بعرض 12 مترًا).
- برج بدر بن جوهر: برج دائري شامخ يقع داخل السور.
- منطار بني عطية: برج مربع مزين بنقوش ثمودية قيمة.
- رجم فهاد: يقع في الزاوية الجنوبية الغربية من السور.
ملحوظة: يوجد أيضاً سور داخلي ثانوي يبعد حوالي 100 متر عن السور الرئيسي، وهو ما يثبت إتقان أهل تيماء القدامى لفنون التحصين.
خلاصة: لماذا كل هذه الضخامة؟
كانت تيماء قديماً مركزًا تجاريًا وحضاريًا مزدهراً، الأمر الذي جعلها مطمعاً للجميع. السور يثبت أن أهل هذه الأرض عرفوا منذ القدم كيف يحمون خيراتهم، ويُنشئون درعاً يليق بمكانة حضارتهم.
سور تيماء ليس مجرد أثر قديم؛ إنه صفحة مفتوحة من كتاب المجد القديم لجزيرة العرب، تذكّرنا بأننا ننتمي إلى أرض شهدت انطلاق شرارة الحضارة الإنسانية وتزال تحمل في ترابها أسرار العظماء الأوائل.