الرحّالة الأوروبيون والجزيرة العربية: الجاسوسية بعباءة المستشرق
قراءة ناقدة لمشروع الرحلات الاستشراقية: الدوافع، الأدوات، والأثر السياسي
المحتويات
- مقدمة: المنطقة التي “يجب تفكيكها”
- أولًا: كيف صُنِع الرحّالة الأوروبي؟ (الهندسة التعليمية)
- ثانيًا: هل كانت الرحلات ذات دوافع استخباراتية؟
- ثالثًا: أهم 10 رحّالة أثّروا في تاريخ المنطقة
- رابعًا: أشهر الكتب والمراجع (أدوات التجسس)
- خامسًا: رحّالة أثاروا شغبًا وصدامات
- سادسًا: التواجد الزمني (مقارنة الدول السعودية)
- سابعًا: صناعة الصورة السلبية عن العرب
- خاتمة: لماذا نعود لقراءة كتبهم اليوم؟
مقدمة: لماذا كان الرحّالة الأوروبيون ينظرون إلى الجزيرة العربية بوصفها “منطقة يجب تفكيكها”؟
منذ القرن السابع عشر، بدأت موجة واسعة من الرحلات الأوروبية المتجهة نحو الجزيرة العربية والخليج، سبقت الحملات الاستعمارية الرسمية بقرنين، ولكنها كانت تمهيدًا مباشرًا لها.
لم تكن هذه الرحلات مجرد مغامرات فردية أو بحثًا عن غرائب الشرق كما تقدّمها بعض القراءات الرومانسية؛ بل كانت جزءًا من مؤسسة كاملة، ذات هندسة تعليمية–عسكرية دقيقة، أنتجت نوعًا جديدًا من “الرحّالة–المخبر”: رجل يجمع في جسد واحد دور العسكري، والطبيب، والجغرافي، واللغوي، والفلكي، والأنثروبولوجي، والعميل السرّي.
لقد كانت أوروبا تدرك أن السيطرة على الشرق—والجزيرة العربية تحديدا—لا يمكن أن تتم عبر القوة العمياء، بل عبر فهم عميق للشعوب، والقبائل، والممرات، والمياه، والعلاقات، والنفوذ الديني. فكان الرحّالة هم العيون الأولى التي سبقت الجيوش والأساطيل.
هذا المقال يقدم قراءة موسعة وناقدة—بلا أي تلطيف—لمشروع الرحلات الاستشراقية، دوافعه الاستخباراتية، أدواته، أهم رموزه، كتبه، وأثره على تشكيل صورة العرب في المخيال الغربي.
أولًا: كيف صُنِع الرحّالة الأوروبي؟
(الهندسة التعليمية والعسكرية لمخبر ميداني متكامل)
قبل القرن التاسع عشر، أصبح في الجامعات الأوروبية—خاصة في فرنسا وبريطانيا وألمانيا—مقررات مخصّصة لصناعة الرحّالة، وكانوا يُعدّون وفق نموذج واحد تقريبًا:
1. إعداد عسكري مباشر
يتلقى الطالب تدريبًا على:
- الملاحة البرية والفلكية.
- قراءة الخرائط وبناء الخرائط الطبوغرافية.
- تقنيات التمويه والتخفي.
- استخدام السلاح في البيئات الصحراوية.
- كتابة التقارير العسكرية المختصرة.
لم يكن هذا تدريبًا نظريًا، بل جزءًا من برامج “مكتب الهند” البريطاني، و“المكتب العربي” الفرنسي.
2. تكوين علمي متشعّب
الرحّالة الأوروبي لم يكن مجرد كاتب يوميات؛ كان مطلوبًا منه أن يكون:
- طبيبًا: قادرًا على تشخيص الأمراض الوبائية (لغايات عسكرية وتجارية).
- عالم نبات: لتحديد النباتات الطبية أو الاقتصادية.
- عالم فلك: لتحديد خطوط الطول والعرض (أداة حاسمة لرسم الخرائط الاستعمارية).
- جغرافيًا: يرسم الوديان والجبال ومسارات القوافل.
- مؤرخًا: يفهم الروايات الشفوية للقبائل.
- لغويًا: يتعلّم العربية أو على الأقل “العربية السوقية”.
3. الارتباط المباشر بالمؤسسات العسكرية
معظم الرحّالة كانوا ضباطًا أو مرتبطين بالمؤسسة العسكرية. أمثلة واضحة:
- وليم بالجريف: ضابط بريطاني متنكر في هيئة طبيب.
- ريتشارد بيرتون: ضابط في الاستخبارات البريطانية، دخل مكة متخفيًا.
- لورنس العرب: ضابط عمليات خاصة، وقائد شبكة تجسس كاملة.
- كارستن نيبور: تقارير بعثته أصبحت جزءًا من وثائق التخطيط العسكري الدنماركي والبريطاني.
- برترام توماس: موظف رسمي في حكومة الهند البريطانية ومسؤول ارتباط مع القبائل.
هؤلاء لم يكونوا سُيّاحًا؛ كانوا “وحدات استخبارية متنقلة”.
ثانيًا: هل كانت الرحلات ذات دوافع استخباراتية؟
(الأدلة القاطعة على البعد التجسسي)
الدافع الاستخباراتي لم يكن شبهة بل حقيقة موثقة، ويمكن تلخيص الأدلة في أربع مجموعات قوية:
1. طبيعة المعلومات التي كانوا يجمعونها
كانت تقارير الرحّالة تتضمن دائمًا:
- خرائط دقيقة للطرق التجارية والممرات الصحراوية.
- تحديد أماكن الآبار والمياه (معلومة عسكرية حاسمة).
- رصد تحركات القبائل، قوتها، عدد محاربيها، علاقاتها.
- دراسة البنية الدينية والاجتماعية.
- موانئ الخليج، أعماق السواحل، المواقع المناسبة لبناء حصون.
هذه ليست معلومات “بحثية”، بل ملفات عمليات.
2. سرية التقارير وتوجيهها للحكومات
الكثير من كتب الرحّالة لم تنشر إلا بعد مرور عقود، وبعضها نُشر بعد تعديل رقابي. والأخطر: تم العثور على مراسلاتهم ضمن أرشيف وزارة المستعمرات البريطانية ووزارة البحرية الفرنسية، لا في مكتبات الجامعات.
3. اعترافات صريحة
عدد من الرحّالة اعترفوا لاحقًا أنهم كانوا مكلفين بمهام محددة، منهم:
- ريتشارد بيرتون: اعترف أنه كان يجمع معلومات عن الحج والموانئ.
- بيرترام توماس: كتب أنه أُمر بـ “فهم المزاج القبلي في عُمان والربع الخالي”.
- لورنس: كتب في رسائله الخاصة “كنت أعمل لخدمة أهداف الإمبراطورية”.
4. نتائج واضحة: الخرائط الاستعمارية
بناء حدود الخليج والجزيرة الحديثة اعتمد كليًا على تقارير هؤلاء الرحّالة. بل إن بعضهم شارك مباشرة في “رسم الحدود”، مثل فلبي (جون فيلبي) الذي لعب دورًا حاسمًا في رسم حدود نجد مع الكويت والعراق. هذه الأدلة تجعل البعد التجسسي حقيقة تاريخية لا يمكن تجميلها.
ثالثًا: عشرة من أهم الرحّالة الذين أثّروا في تاريخ الخليج والجزيرة العربية
- 1. كارستن نيبور (Carsten Niebuhr): زار الجزيرة قبل 1760، ووثّق مدن الحجاز واليمن والخليج. كان الوحيد من بعثته الذي نجا من الموت، وأتقن العربية وقام بأول مسح علمي للجزيرة.
- 2. يوهان لودفيغ بوركهارت (Johann Ludwig Burckhardt): دخل مكة والمدينة متنكرًا باسم “الشيخ إبراهيم”. وثّق أسواق الحجاز وطرق القوافل والعلاقات القبلية.
- 3. ريتشارد بيرتون (Richard Burton): أشهر متخفٍ أوروبي دخل مكة والمدينة. كان ضابطًا في الاستخبارات وحصل على وسام من الملكة فيكتوريا بعد عودته.
- 4. وليم بالجريف (William Palgrave): ضابط بريطاني متنكر في هيئة طبيب سوري. زار القصيم وحائل وجنوب نجد وكتب تقارير شديدة الحساسية.
- 5. جون لويس بوركهارت فلبي (John Philby): أخطر الرحّالة سياسيًا. تحوّل من جاسوس إلى مستشار للملك عبدالعزيز. صاحب تأثير كبير على فهم بريطانيا للجزيرة.
- 6. برترام توماس (Bertram Thomas): أول أوروبي يعبر الربع الخالي. كان مسؤولًا سياسيًا في عُمان وموظفًا في حكومة الهند البريطانية.
- 7. تشارلز داوتي (Charles Doughty): زار شمال الحجاز ونجد، ووثّق حياة البادية والصحراء بشكل دقيق.
- 8. ولستد (W. G. Palgrave): زار عمان والبحرين والاحساء وقدم تقارير مهمة حول الجغرافيا السياسية للخليج.
- 9. لورنس العرب (T. E. Lawrence): عميل عمليات خاصة في الثورة العربية. أحد أهم صناع الوثائق البريطانية عن القبائل والأراضي.
- 10. جورج سادلير (George Sadleir): قاد أول مهمة بريطانية رسمية لعبور الجزيرة من الشرق إلى الغرب عام 1819.
رابعًا: أشهر الكتب والمراجع التي ألّفها الرحّالة
(وأهم ما يميزها رغم كونها أدوات تجسسية)
- دليل الخليج – ج. ج. لوريمر (J. G. Lorimer): أهم وثيقة سياسية في تاريخ الخليج. أُعدّ بطلب من حكومة الهند البريطانية ولم يكن للنشر العام. يتكون من قسم جغرافي وقسم تاريخي–قبلي يوثق أسماء القبائل، سواحل الخليج، الحكام، الخلافات، الموانئ، الطرق، الجزر، والبيئة.
- “الكويت وجاراتها” – ديكسون (H. R. P. Dickson): قنصل بريطاني عاش في الكويت لعقود. كتابه أهم مرجع أنثروبولوجي عن شمال شرق الجزيرة: تفصيل نظام البادية، الحياة البحرية، التحالفات، والنزاعات بين القبائل.
- “Arabia Felix” – كارستن نيبور: أول كتاب علمي عن اليمن والجزيرة، يميز بموضوعية أعلى من غيره. وثق النباتات، القرى، الأسواق، الفلك، والطرق القبلية بدقة عالية.
- كتب برترام توماس: مثل “Arabia Deserta” و“Crossing the Empty Quarter”. خصصها لوصف عمان والربع الخالي وحياة الصحراء.
- “Travels in Arabia Deserta” – تشارلز داوتي: من أعمق الكتب التي وصفت حياة البدو، لكنه أسقط عليها رؤية عنصرية قاسية.
- “Personal Narrative of a Pilgrimage to Al-Madinah and Meccah” – ريتشارد بيرتون: أخطر كتاب لأنه كشف تفاصيل الحج والمشاعر والمجتمع الداخلي لمكة.
هذه الكتب—رغم دوافعها—أصبحت مصادر لا غنى عنها لدراسة فترة حرجة من تاريخ الجزيرة.
خامسًا: الرحّالة الذين أثاروا شغبًا أو تسببوا في صدامات
تؤكد الأحداث أن الرحّالة لم يكونوا مراقبين محايدين، بل فاعلين سياسيين حقيقيين:
- ريتشارد بيرتون: اتهمته تقارير محلية بمحاولات التحرش، وتم طرده من بعض المناطق. كما اتُّهم بجمع عينات “اجتماعية” حساسة لأغراض استخباراتية.
- لورنس العرب: تسببت علاقاته المتشابكة مع بعض الأشراف والقبائل في صدامات دموية. واتُهم في مذكراته بإيحاءات جنسية حول بعض الأحداث، ما أثار فضائح بعد نشرها.
- بالجريف: اتهم بتحريض قبائل ضد أخرى أثناء وجوده في القصيم. كما ذكر في بعض رسائله علاقات “غامضة” مع بعض الشباب المحليين.
- ديكسون: تسبب في أزمات سياسية مع السعودية والبحرين بسبب تدخلاته في النزاعات القبلية.
سادسًا: من مكث طويلاً في الجزيرة العربية؟
(تحليل مقارنة بين السعودية الأولى والثانية والثالثة)
1. السعودية الأولى (1744–1818)
لم يدخلها رحّالة كثيرون بسبب قوة الدولة المركزية، لكن أبرزهم:
- جورج سادلير
- نيبور (أطراف الدولة فقط)
2. السعودية الثانية (1824–1891)
كانت فترة رخوة سياسيًا، فدخلها:
- بالجريف
- داوتي
- بيرتون
- بوركهارت
قدموا أوصافًا حساسة عن نجد والقصيم وحائل.
3. السعودية الثالثة (1902–1932)
في زمن الملك عبدالعزيز، توافد الرحّالة السياسيون:
- فلبي (الأطول مكثًا)
- ديكسون
- برترام توماس
- لورنس (في الأطراف)
معظمهم كان مرتبطًا مباشرة بوزارات المستعمرات.
سابعًا: كيف صنعت كتابات الرحّالة صورة سلبية عن عرب الجزيرة؟
بعض الرحّالة كان ذا نزعة استعلائية عنصرية، فوصفوا العرب بأنهم: غير متحضرين، فوضويين، يعيشون خارج التاريخ، متقلبين مزاجيًا، و“غير قابلين للحكم”.
أشهر من نشر هذه الصورة:
- داوتي
- بالجريف
- بيرتون
- ديكسون
- وحتى لورنس بعد تحوله السياسي
هذه الكتابات شكلت أساس “الاستشراق السلبي”، والذي تسرب لاحقًا إلى الأدب الغربي والسينما والسياسة.
خاتمة: لماذا سنعود لقراءة كتب الرحّالة في موقع عادات؟
لأن هذه الكتب—برغم خلفياتها الاستخباراتية، ورواسبها الاستعمارية، وانحيازاتها العنصرية—تبقى وثائق زمنية مهمة. لقد كتبها أصحابها ليخدموا الإمبراطوريات، لكنهم حفظوا لنا تفاصيل دقيقة عن طرق التجارة، المدن، الموانئ، القبائل، البيوت، العادات، الأسواق، والطعام… تفاصيل لم تسجل في أي مصدر آخر.
في “عادات”، سنقدم قراءة جديدة لهذه الكتب: سنفكك خطاب الرحّالة، نحلل دوافعهم، نكشف علاقاتهم السياسية والاستخباراتية، ونستخلص من بين سطورهم ملامح الحياة الاجتماعية في الخليج والجزيرة العربية قبل 150–300 سنة.
إن قراءة الرحّالة ليست تمجيدًا لهم، بل تفكيكًا لخطاب صنع صورة الشرق في عين الغرب، وفتح نافذة على تاريخ كتبه “الآخر”، لكنه يظل جزءًا من سرديتنا.
أهم المراجع الثلاثة التي تُعد أساس هذا الملف:
- J. G. Lorimer – Gazetteer of the Persian Gulf, Oman and Central Arabia: أكبر مرجع استخباراتي–جغرافي عن الخليج.
- Carsten Niebuhr – Travels through Arabia: أول توثيق علمي غير دعائي للجزيرة العربية.
- Dickson – Kuwait and Her Neighbours: مرجع مركزي في دراسة مجتمع الخليج والقبائل.