الفنون التراثية والفلكلورية الحجازية في السعودية
أولاً: الحجاز… مهد الألوان الشعبية وتعدّد البيئات
يُعدّ الحجاز أحد أغنى مناطق المملكة بالفنون الفلكلورية، فهو يتموضع بين البحر والجبال والسهول، ويضم مدناً ذات تاريخ عميق مثل مكة المكرمة والمدينة المنورة والطائف وجدة.
هذا التنوّع البيئي والثقافي خلق تنويعاً لحنيّاً وإيقاعياً قلّما يوجد في منطقة واحدة، حتى أصبح لكل مدينة في الحجاز “نَفَس” موسيقي خاص، وإن تشاركوا جميعاً في روح الجماعة والإيقاع الحماسي والتعبير الوجداني.
الفنون الحجازية ليست رقصاً فقط، بل هي لغة اجتماعية تعبّر عن القوة والمودة والاحتفال، وتحمل في داخلها رموزاً تاريخية انتقلت شفهياً عبر الأجيال، ولولا هذا الإرث الغني لما بقيت الألوان الحجازية جزءاً عضوياً من ذاكرة المجتمع السعودي.

ثانياً: المزمار… صوت النار والإيقاع والسيف
1. صورة عامة وتحليل تركيبي
المزمار الحجازي ليس مجرد رقصة؛ إنه نظام رمزي يحاكي الحرب والسلم والتنافس الشريف.
مكوّناته الأساسية أربعة:
-
الحلقة
-
النار
-
العصي (الشُوْن)
-
الإيقاعات
تلتف الجماعة حول النار كأنها مركز الجذب الروحي، ويبدأ اللاعبان بالدخول وفق “إذن شيخ اللعب”.
هذا التنظيم الدقيق يجعل المزمار أقرب إلى طقس اجتماعي منه إلى مجرد أداء ترفيهي.
2. التحليل اللحني والإيقاعي للمزمار
-
الإيقاع الأساسي: طابع حماسي سريع (غالباً 2/4 أو 4/4).
-
الآلات:
-
النقرزان: يعطي النبض الأساسي.
-
المردّ: يملأ الفراغات الإيقاعية.
-
الطيران: تكثيف للصوت.
-
-
النمط اللحني:
-
يبدأ عادة بـ”نداء” (Call) من المنشد.
-
ثم زومال (رد جماعي) على درجة صوتية ثابتة.
-
الجملة اللحنية غالباً قصيرة، تعتمد على متتالية نغمية منخفضة تميل إلى القرار أكثر من الجواب.
-
تمثيل لحني مختصر (وصف وليس تدوين موسيقي):
-
يبدأ المنشد: نغمة متوسطة – نغمة منخفضة – توقف.
-
يجيب الصف: نغمة واحدة ممتدة بنَفَس قوي.
-
تتكرر الجملة في حلقة دائرية تشبه “الأوريتوريو الشعبي”.
3. لماذا صارت لعبة رجولية؟
لأن بنيتها الحركية تقوم على:
-
المواجهة
-
التوقيت
-
التوازن
-
إدارة الخطورة
وكلها مهارات كانت مرتبطة بالصيد والدفاع قديماً، فانتقلت رمزياً إلى المزمار.
ثالثاً: المجرور الطائفي… أناقة الحركة وتفاصيل الصوت
1. وصف عام
المجرور هو الفن الذي يمزج الشعر القوي مع الخطوات المتزنة ومع الزي الأبيض الطائفي الذي صار جزءاً من الهوية.
ميزة المجرور الكبرى أنه فن جماعي منضبط تتقابل فيه صفان، تقودهما شخصية محورية تُسمّى “الركن”.
2. التحليل اللحني للمجرور
-
الطابع اللحني: جماعي – مقطعي – مقفى.
-
الشكل البنائي:
-
جملة افتتاحية يؤديها الركن
-
جواب جماعي متناغم
-
-
الإيقاع: غالباً 6/8 أو 4/4 مع نبرة متمايلة.
-
الطيران والدفوف تخلق خلفية إيقاعية متدرجة من الهادئ إلى الحماسي.
السمات اللحنية:
-
استخدام السلم الخماسي في كثير من الجمل (خصوصاً في الطائف).
-
اعتماد التكرار كأداة لتثبيت الإيقاع.
-
ميل الصوت إلى “التطريب القصير” وليس التطريب الطويل كما في المجس.

رابعاً: غناء المجالسي… نغم يجلس على الأرض
1. طبيعة الفن
فن “مجالسي” هو فن عمودي – شعري – وقور.
يبدأ الشاعر منفرداً بثلاثة أشطر، ثم ينفجر الصف كله عند الشطر الرابع في ترديد جماعي.
2. التحليل اللحني
-
اللحن ثابت لا يتغيّر طوال القصيدة.
-
مقام اللحن غالباً يميل إلى:
-
البيات إذا كان النص هادئاً
-
الصبا إذا كان الشجن عالياً
-
-
الجملة اللحنية تصاغ على شكل قوس: صعود بسيط ثم هبوط.
3. نموذج ترتيبي للجملة
-
الشاعر: جملة قصيرة – وقفة – جملة قصيرة – وقفة
-
ثم: نغمة ختامية يرددها الجميع بصوت واحد.
هذا الفن تدريب طبيعي على الانتظام اللحني والانضباط الجماعي.
خامساً: الخبيتي… الرقص السريع ذو الطابع الساحلي
1. وصف أدائي
الخبيتي فن ساحلي خفيف، تتداخل فيه:
-
الطبول
-
الدفوف
-
السمسمية
-
الناي (البوص)
ويمتاز بحركات راقصة تعتمد على القفزات القصيرة وتحريك اليدين.
2. التحليل اللحني
-
الإيقاع: غالباً 2/4 سريع، أو 4/4 متوسط لكنه نابض.
-
السمسمية تمنح اللحن طابعاً بحرياً شرقياً مشابهاً لمدارس البحر الأحمر.
-
اللحن يعتمد على دورات قصيرة تشبه “الميلودي الشعبي العالمي” ولكن بنبرة حجازية واضحة.
3. خصائص صوتية
-
ارتفاع طبقة الصوت عند “الجواب”.
-
استعمال “النبر الصوتي” لإظهار قوة المجموعة.
-
غناء جماعي يتخلله غناء فردي بسيط.
سادساً: الحدري والفرعي… الشعر المتحرك
1. طبيعة الفن
هذا الفن هو السجل الاجتماعي للشعر الشعبي.
يُغنى في الصحاري والقرى، ويعكس حياة الناس اليومية من فرح وعتاب وغزل وكرم.
2. البناء اللحني
-
أربعة أبيات غالباً بنفس الوزن.
-
القافية ثابتة.
-
اللحن بسيط ليتناسب مع “البعد الحكائي”.
3. الإيقاع
-
الطيران والدفوف بإيقاع متوسط (4/4).
-
الترديد الجماعي بعد كل بيت يمنح الفن تماسكاً صوتياً.
سابعاً: الموال والمجس… المدرسة الصوتية الحجازية
1. الموال
هو اختبار للصوت، يقدّم فيه المغني قدراته في:
-
المدّ
-
التحلية
-
الانتقال بين الطبقات
-
تعبير العاطفة
الموال الحجازي يميل إلى المقامات العربية التقليدية، خصوصاً:
-
الحجاز
-
الصبا
-
الراست
ويبدأ غالباً قبل الأغنية أو في منتصفها.
2. المجس
المجس هو توأم الموال لكنه أكثر التزاماً بالنص.
يستخدم في الأفراح والحشود، ويتميز بـ:
-
جمل لحنية متدرجة
-
قدرة المطرب على الارتجال
-
صوت قوي يملأ المكان دون مكبرات
ثامناً: البنية المشتركة للفنون الحجازية – نظرة تحليلية
رغم اختلاف المدارس، إلا أن الفلكلور الحجازي يتشارك في ثلاث خصائص رئيسية:
1. الإيقاع الجماعي
الفنون الحجازية قائمة على النبض المشترك.
فهي ليست موسيقى فردية بل موسيقى مجتمع.
2. الترديد المتبادل
نظام السؤال والجواب الصوتي هو العمود الفقري لغالبية الألوان، لأنه يعزز:
-
الوحدة
-
التفاعل
-
المشاركة اللحظية
3. التصوير الحركي
الحركة في الحجاز غالباً:
-
موسومة بالاتزان (المجرور)
-
أو الحماسة (المزمار)
-
أو الخفة (الخبيتي)
تاسعاً: الشخصية الصوتية للحجاز – توصيف فني دقيق
يمكن تلخيص “الهوية الصوتية الحجازية” في العناصر التالية:
-
ميل إلى القرار أكثر من الجواب في المزمار.
-
التطريب القصير في المجرور.
-
طبقات عالية في المجس والموال.
-
اللحن التكراري في الحدري.
-
الانسياب البحري في الخبيتي بسبب السمسمية والناي.
الفنون الحجازية ليست ألواناً تُعزف وتُرقص فقط، بل هي وثيقة اجتماعية – بصرية – صوتية تحمل خبرة الإنسان في مكة والطائف والمدينة وجدة عبر مئات السنين.
وكل لون فيها يحمل بصمة مدينة ورائحة بيئة، من نار المزمار إلى دفوف المجرور، ومن لحن المجالسي الوقور إلى صوت المجس العميق الذي يستقبل الحجيج.
إنها مدرسة كاملة من الموسيقى الشعبية التي ما زالت حيّة لأن الناس ما زالوا يتوارثونها، ويحفظون إيقاعاتها كما يحفظون ملامح بيوتهم القديمة.