دليل تعريفي ومنهجي للتراث الثقافي غير المادي
إعداد فريق عادات
تمهيد: أهمية التراث الحي (Intangible Cultural Heritage – ICH)
يُعد التراث الثقافي بمثابة الذاكرة الحية لأي أمة. ولعقود طويلة، كان الاهتمام منصباً على التراث المادي كالمباني والآثار. إلا أن الإقرار بالتراث الحي، المتمثل في المعارف والمهارات والممارسات التي تنتقل بين الأجيال، أصبح ضرورة ملحة لصون الهوية والتنوع الثقافي في مواجهة تحديات العولمة. هذه المقالة المرجعية تقدم دليلاً شاملاً للمفاهيم والأطر المنهجية المتعلقة بهذا النوع من التراث.
القسم الأول: التعاريف والمصطلحات الأساسية
لتوضيح حدود هذا المجال، يجب أولاً التمييز بين أنواع التراث والمصطلحات الرئيسية:
1. التراث الثقافي المادي (Tangible Cultural Heritage – TCH)
يُشير هذا النوع إلى الأصول الملموسة والمادية التي خلفتها الأجيال السابقة.
-
التعريف: يشمل المواقع التاريخية، المباني الأثرية، الآثار، المنحوتات، اللوحات الفنية، والمقتنيات الأثرية (المتحفية).
-
اختصار: لا يوجد اختصار عالمي موحد له، ويُشار إليه بالاسم الكامل أو بـ World Heritage Sites (WHS) للمواقع المدرجة في قوائم اليونسكو بموجب اتفاقية 1972.
-
الآثار: هي جزء من التراث المادي، وتشمل الأشياء القديمة التي تُدرس كشواهد تاريخية.
2. التراث الثقافي غير المادي (Intangible Cultural Heritage – ICH)
هذا هو محور اتفاقية اليونسكو لعام 2003، ويُعد التراث الحي الذي يركز على الممارسة والمعرفة.
-
الاختصار: ICH (Intangible Cultural Heritage).
-
التعريف المهني: الممارسات والتصورات والتعبيرات والمعارف والمهارات التي تعترف بها المجتمعات على أنها جزء من تراثها الثقافي. يُنقل هذا التراث من جيل إلى جيل ويُعاد إبداعه باستمرار، مما يمنح إحساساً بالهوية والاستمرارية.
-
الصون (Safeguarding): لا يعني تجميد التراث، بل اتخاذ تدابير تضمن استمراريته وقابليته للنقل والتجديد.
-
الحاملون (Bearers): هم الأفراد والمجموعات الذين يُنشئون ويحافظون وينقلون التراث، ويُعد اعترافهم به شرطاً أساسياً لتصنيفه كتراث غير مادي.
3. حدود العلاقة مع الفلكلور (Folklore)
هذه نقطة تحول مفاهيمي مهمة في دراسة التراث:
-
الفلكلور (Folklore): هو مصطلح تاريخي (ظهر في القرن الـ 19) كان يركز على المنتج الثقافي (مثل النص الشعري أو الحكاية) ويدرسه غالباً ضمن سياق أكاديمي. كان يُنظر إليه أحياناً على أنه شيء يتلاشى.
-
التمييز: التراث الثقافي غير المادي (ICH) هو مفهوم أشمل وأحدث، يحل محل الفلكلور ويتجاوزه. يركز ICH على العملية والممارسة، وعلى الحيوية وإعادة الإبداع المستمر، ويجعل المجتمع هو المالك والفاعل الرئيسي، وليس الباحث فقط.
القسم الثاني: الإطار المؤسسي – اليونسكو واتفاقية 2003
لولا الدور المحوري لليونسكو، لم يكن لمفهوم التراث غير المادي أن يحظى بهذا الاعتراف العالمي.
1. منظمة اليونسكو ودورها
-
اليونسكو (UNESCO): منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة. دورها في التراث هو وضع الأطر القانونية والمعايير الدولية للصون، وتقديم الدعم الفني، والإشراف على قوائم التراث العالمي.
2. اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي (2003)
-
دورها: شكلت الإطار القانوني الدولي الذي نقل الاهتمام من التراث المادي إلى “التراث الحي”. تُلزم الدول الأطراف بوضع تدابير لتحديد وجرد وصون ونقل هذا التراث بمشاركة المجتمعات.
-
المضمون الجوهري: يقوم على مبدأين: الاعتراف (بأهمية التراث بالنسبة للمجتمع) والمشاركة (بضرورة أن يكون المجتمع هو حجر الزاوية في عملية الصون، عبر الحصول على موافقته الحرة والمستنيرة).
-
الالتزام الوطني الرئيسي (المادة 11): إلزام الدول بـ إنشاء قوائم (جرد) للتراث غير المادي الموجود على أراضيها.
3. المجالات الخمسة للتراث الثقافي غير المادي
لتصنيف وتوثيق ICH، حددت الاتفاقية خمسة مجالات رئيسية يتجلى فيها هذا التراث:
-
التقاليد والتعبير الشفهي: (مثل القصص، الحكايات، الأمثال، واللغة).
-
فنون الأداء: (مثل الموسيقى، الرقصات، المسرح الشعبي، العرضة السعودية).
-
الممارسات الاجتماعية والطقوس والمناسبات الاحتفالية: (مثل طقوس الضيافة، الأعياد، القهوة العربية).
-
المعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون: (مثل الطب الشعبي، علم الفلك التقليدي، حداء الإبل).
-
المهارات المرتبطة بالحرف التقليدية: (مثل صناعة السدو، الخط العربي، صياغة المعادن).
القسم الثالث: المنهجية التطبيقية – الحصر والتوثيق الميداني
تُعد عملية الجرد/الحصر (Inventorying) هي الخطوة الأولى والأساسية لتطبيق مفاهيم الاتفاقية على أرض الواقع.
1. التمييز بين أساليب الحصر واختيار الأنسب
2. تسلسل وخطوات عملية الحصر (أفضل الممارسات)
عملية الحصر هي عملية دورية تتكون من خطوات متكاملة:
-
إشراك المجتمع: الحصول على الموافقة المستنيرة (FPIC) وتشكيل الشراكة مع الحاملين.
-
التخطيط: تحديد الأهداف، تدريب الفريق، وتصميم نماذج الجرد الموحدة.
-
جمع البيانات الميدانية: استخدام الأدوات بكفاءة (الفقرة التالية).
-
التوثيق والتحليل: تحليل البيانات، تقييم جدوى العنصر (Viability)، وتصنيفه.
-
النشر والإتاحة: إتاحة الجرد للعامة وإعادة النتائج إلى المجتمع.
3. أدوات جمع البيانات المناسبة وكفاءة استخدامها
لضمان دقة التوثيق، يجب استخدام مجموعة متكاملة من الأدوات:
🇸🇦 أمثلة عملية من المجتمع السعودي (تطبيق الاتفاقية)
تُعد تجربة المملكة العربية السعودية مثالاً لتطبيق اتفاقية اليونسكو، حيث يظهر هذا التطبيق في:
-
إنشاء الجرد الوطني: تطبيق الالتزام الوطني (المادة 11) عبر حصر آلاف العناصر محلياً.
-
إدراج عالمي بنهج مجتمعي: إعداد ملفات الترشيح لقوائم اليونسكو (مثل القهوة العربية، الخط العربي، والعرضة السعودية) بالتعاون المباشر مع الحاملين والمجتمعات المعنية (تطبيق المادة 15).
-
الصون الفعلي: إنشاء مراكز متخصصة (مثل مركز الخط العربي) لضمان نقل المهارات للأجيال الجديدة، مما يعكس الهدف الأسمى من عملية الصون.
جامع المادة التعليمية: فريق عادات
ندعو الباحثين والمهتمين إلى اعتماد هذه الأطر المرجعية في عملهم لضمان توثيق علمي ومهني للتراث الثقافي غير المادي.
بهذا نكون قد جمعنا وشرحنا كافة النقاط المطلوبة ضمن المقال المرجعي التعليمي المتكامل. هل تود إضافة أي تفصيل أو تعديل على هذه المقالة؟