الرحّالة والمستشرقون في الخليج والجزيرة: صناعة الحدود الحديثة والمفاوضات النفطية (1900-1939)
💡 تنبيه: هذه المقالة جزء ثانٍ. يمكنك الاطلاع على الجزء الأول لتفهم سياق الرحلات الاستخباراتية بالضغط هنا:
⬅ الجزء الأول: الرحّالة الأوروبيون والجزيرة العربية: الجاسوسية بعباءة المستشرق
الجزء الأول: الرحّالة والصراع الاستعماري على طرق التجارة البحرية والبرية في الخليج (1760-1914)
بدأ الاهتمام الأوروبي المكثّف بالخليج مع تحول البحر الأحمر والخليج العربي إلى ممرّين حيويين لتجارة الهند والتوابل والحرير. فقد أدركت شركة الهند الشرقية البريطانية منذ أواخر القرن الثامن عشر أن السيطرة على موانئ الخليج تعني قطع الطريق على البرتغاليين ثم الهولنديين ثم الفرنسيين. وكان الرحّالة الأداة الأولى لرسم هذه الخريطة الاستراتيجية.
في عام 1761-1767، أرسلت الدنمارك بعثة علمية بقيادة كارستن نيبور، لكن التقارير التي أعدها نيبور عن موانئ مسقط وبوشهر والقطيف والبحرين أصبحت فيما بعد مرجعاً أساسياً لدى الأدميرالية البريطانية عندما احتلت جزيرة خارك عام 1838 ثم البحرين عام 1820 (بصيغة «حماية»). وثّق نيبور أعماق الموانئ وقدرة كل ميناء على استيعاب السفن الحربية، وهي معلومات لم تكن متاحة إلا للبريطانيين بعد عقدين من بعثته (Niebuhr, 1772-1778).
أما جورج فورستر سادلير (1819)، فقد كُلّف رسمياً من حاكم بومباي بمهمة عبور الجزيرة من الخليج إلى البحر الأحمر لتسليم رسالة إلى إبراهيم باشا في مصر، لكن تقريره المحفوظ في أرشيف الهند البريطانية (IOR/L/PS/10) يحتوي على أول مسح عسكري دقيق لخطوط الإمداد البرية بين الرياض والطائف، مع تحديد مواقع الآبار وعدد الجمّال اللازم لنقل لواء مشاة. هذه الوثيقة استُخدمت حرفياً عام 1865 عندما أرسلت بريطانيا حملة عقابية إلى نجد.
وفي أواخر القرن التاسع عشر، أصبح الخليج ساحة صراع فرنسي–بريطاني–ألماني. الرحّالة الفرنسيون مثل غيوم جوزيف غوديفروا (1862-1864) والألماني هرمان بورخاردت (1877) جمعوا معلومات عن الفحم في موانئ الخليج استعداداً لمشروع سكة حديد برلين–بغداد–البصرة–الكويت، بينما كان البريطانيون يرسلون ضباطاً مثل وليام شكسبير (1914) وفرنسيس بريدو (1902-1904) لتفكيك أي نفوذ ألماني محتمل في مسقط والكويت.
الجزء الثاني: الرحّالة ودورهم في صناعة «الحدود الحديثة» للخليج ونجد (1900-1935)
لم تكن حدود دول الخليج الحديثة نتاج تطور داخلي، بل كانت نتيجة مباشرة لتقارير الرحّالة–الضباط. أبرز مثال هو «خط أوكونور–فلبي» الذي رسم الحدود السعودية–الكويتية–العراقية.
جون فيلبي، الذي عاش في الرياض من 1917 إلى 1930، كان المستشار الشخصي لعبد العزيز، لكنه في الوقت الحد نفسه كان يرسل تقارير أسبوعية إلى مكتب الهند في لندن. في تقريره المحفوظ في الأرشيف البريطاني (IOR/R/15/1/551) يقترح فيلبي عام 1922 رسم خط حدودي يبدأ من خور الزبير شمالاً وينتهي عند جبل الطويل جنوباً، بحيث يترك حقل البرغان النفطي المحتمل داخل النفوذ البريطاني (أي داخل الكويت). هذا الخط أصبح فيما بعد «المنطقة المحايدة» ثم قُسّم عام 1965 بنفس المعايير التي وضعها فيلبي.
كذلك لعب الرحّالة البريطانيون دوراً في رسم حدود عُمان. برترام توماس، المقيم السياسي في مسقط (1925-1930)، كان يرسل تقارير يومية عن تحركات الإمام في الداخل، واستخدمت هذه التقارير لتبرير معاهدة السيب 1920 التي قسمت عُمان إلى سلطنة مسقط وإمامة عُمان، وهي تقسيمة لا تزال آثارها حتى اليوم.
وفي الإمارات، اعتمدت بريطانيا على تقارير الرحّالة مثل جون جوردون لوريمر (1908-1915) لفرض نظام «الساحل المتصالح» وإجبار الشيوخ على توقيع معاهدات الحماية الحصرية (1892-1922). لوريمر في «دليل الخليج» يصنّف كل شيخ حسب «مدى ولائه لبريطانيا» و«قابليته للضغط»، وهي تصنيفات استُخدمت حرفياً في المفاوضات.
الجزء الثالث: الرحّالة والنفط: من الشك إلى اليقين الاستخباراتي (1901-1939)
قبل اكتشاف النفط رسمياً، كان الرحّالة هم من أشاروا إلى وجوده. الجيولوجي البريطاني جورج بيلي (1904) والرحّالة الأمريكي كارل تويتشل (1931) ثم الضابط البريطاني هيو ستيوارت (1920) جميعهم أشاروا إلى تسربات نفطية في الأحساء والقطيف. لكن أهم تقرير كان للجيولوجي النيوزيلندي توماس بيتشي (1933) الذي عمل تحت غطاء «رحّالة مستقل» بينما كان يتلقى تعليمات مباشرة من شركة نفط العراق (IPC) البريطانية.
فيلبي نفسه كتب عام 1930 كتاب «القلب الخالي» ليروّج لفكرة أن الربع الخالي خالٍ من النفط، وهي دعاية مضادة لمنع الشركات الأمريكية من دخول المنطقة، بينما كان في الوقت نفسه يرسل تقارير سرية إلى لندن تؤكد وجود بنى جيولوجية واعدة في المنطقة الشرقية. هذا التناقض كشفه المؤرخ روبرت فيتاليانو في كتابه «النفط والسياسة في الخليج» (Vitaliano, 1982).
الجزء الرابع: الرحّالة النساء: أدوات أكثر خفّة وأعمق اختراقاً
لم يقتصر الأمر على الرجال. ليدي آن بلانت (1879)، حفيدة اللورد بايرون، زارت حائل والجوف وكتبت «رحلة إلى نجد»، وكانت تقاريرها عن قوة إمارة آل رشيد وعدد محاربيها تصل مباشرة إلى وزارة الخارجية البريطانية. كذلك غيرترود بيل (1913-1914) التي عبرت من دمشق إلى حائل ثم بغداد، وأعدت تقارير مفصلة عن القبائل الشمالية أصبحت أساس سياسة بريطانيا في العراق والأردن لاحقاً. وفي الثلاثينيات، فريا ستارك زارت حضرموت ولحج وكتبت «الساحل الجنوبي» و«وادي العصر» وكانت على اتصال مباشر بالمخابرات البريطانية في عدن.
هؤلاء النساء كن يتمتعن بميزة اختراق المجالس النسائية التي لا يدخلها الرجل الأجنبي، فجمعن معلومات حساسة عن الزيجات القبلية، والورثة، والخلافات الداخلية في البيوت الحاكمة.
الجزء الخامس: الرحّالة العرب والمسلمون الذين عملوا لصالح أوروبا
لم يكن الاختراق من الخارج فقط. بعض العرب والمسلمين الهنود عملوا كمترجمين ومرشدين وجواسيس. أبرزهم:
- محمد بن عبد الله الشنقيطي (مرافق بيرتون في الحج)
- الحاج عبد الله الفارسي (مرافق بالجريف في نجد)
- الشيخ حمد الخليفة (مرشد لوريمر في البحرين)
- الغواص البحريني سالم الدوسري الذي زود البريطانيين بخرائط قاع الخليج
هؤلاء كانوا يتقاضون رواتب شهرية من شركة الهند الشرقية أو من المقيمين السياسيين.
الجزء السادس: أرشيفات الرحّالة: أين هي اليوم وكيف تُستَخدم؟
معظم تقارير الرحّالة محفوظة في:
- أرشيف الهند البريطانية (India Office Records) في المكتبة البريطانية – لندن
- الأرشيف الوطني البريطاني في كيو (The National Archives, Kew) – سلسلة FO 371 و CO 732
- أرشيف وزارة الخارجية الفرنسية في نانت (Archives diplomatiques, Nantes)
- أرشيف شركة نفط العراق في ووريك (University of Warwick, BP Archive)
لا تزال هذه الوثائق تُستَخدم حتى اليوم في النزاعات الحدودية (مثل نزاع قطر–البحرين أمام محكمة العدل الدولية 2001 حيث استُشهد بتقارير لوريمر).
الجزء السابع: قراءة نقدية معاصرة لخطاب الرحّالة: ما الذي أخفوه وما الذي بالغوا فيه؟
دراسات حديثة (مثل كتاب محمد الرشيد «تاريخ الكويت السياسي» وكتاب عبد الله الغنيم «الرحّالة والمستشرقون في الجزيرة العربية») تثبت أن الرحّالة:
- بالغوا في تصوير القبائل كـ«متوحشة» لتبرير التدخل الاستعماري
- قللوا من شأن الدولة السعودية الأولى والثانية لإظهار الجزيرة كفراغ سياسي
- تجاهلوا تماماً الدور الاقتصادي للنساء في الأسواق والتجارة
- أخفوا دورهم في تهريب الآثار (مثل بيرتون الذي هرّب مخطوطات من المدينة)
خاتمة الجزء الثاني
إن مشروع الرحّالة–المستشرقين لم يكن مجرد جمع معرفة، بل كان عملية استخباراتية طويلة الأمد أنتجت خرائط، حدوداً، معاهدات، وصوراً ذهنية لا تزال تؤثر في سياسات المنطقة حتى القرن الحادي والعشرين. قراءتنا لهذا التراث ليست للتمجيد، بل للتفكيك والاستعادة: نأخذ منهم الوثيقة، ونرفض مضمونها الاستعماري، ونعيد كتابة التاريخ من داخل النص نفسه.
المراجع الأساسية للجزء الثاني (إضافة إلى مراجع الجزء الأول):
- India Office Records (IOR), British Library: سلسلة L/PS/10 و R/15
- The National Archives, Kew: FO 371, CO 732, WO 33
- J. G. Lorimer, Gazetteer of the Persian Gulf, Oman and Central Arabia (1915)
- St John Philby, Arabian Jubilee (1952) وتقاريره السرية (IOR/R/15/1/551)
- Gertrude Bell, The Desert and the Sown (1907)
- Freya Stark, The Southern Gates of Arabia (1936)
- Robert Vitalis, Oilcraft: The Myths of Scarcity and Security (2020)
- Archives diplomatiques, Nantes: série Mascate et Oman
- محمد الرشيد، تاريخ الكويت السياسي (1978)
- عبد الله الغنيم، الرحّالة والمستشرقون في الجزيرة العربية (2008)