في أقصى أطراف القرية، حيث تتعانق حقول القمح مع الشمس كل صباح، كانت هناك فتاة تشبه نسمة عابرة… هادئة كالندى، رقيقة كظل غيمة، تحمل في قلبها حبًا صافياً لفتى عرف كيف يلامس أعماقها دون أن يقترب، وكيف يُشعل فيها الدهشة دون أن يقول الكثير.
كان ذلك الحب سرًّا لا يعلمه أحد… ينمو في صدرها بصمت، كزهرة برية لا تحتاج إلا لنسمة كي تتفتح.
لكن أحلام الفتاة اصطدمت بجدار صلب من التقاليد. فوالدها، الرجل الذي عاش عمره يحتمي بالعادات، رأى أن مستقبلها محفوظ في زواجٍ من ابن عمها. لم يكن يرى في الحب إلا ترفًا لا يليق بالبنات، ولا في الرغبة إلا جنونًا قصير الأمد.
وحين أخبرها بموعد العرس، شعرت الفتاة وكأن الأرض انسحبت من تحت قدميها. حاولت أن تقنعه، ترجّته، بكت بصمتٍ، وانكسر صوتها بين يديه وهي تقول له إن قلبها معلّق بغيره. لكن الأب بقي ثابتًا كأشجار السدر العتيقة… لا تهزها العواصف.
وليلة العرس كانت تقترب، تمشي نحوها بثقلٍ خانق.
وفي ليلة هادئة، حين نام أهل البيت، جلست الفتاة في غرفتها المظلمة، وتداعت عليها الهواجس كما يتداعى المطر على نافذة مهجورة. شعرت بأن الكلام لم يعد يخرج، وأن الروح تضيق… فمدّت يدها إلى الورق.
كتبت.
كتبت بقلبٍ ينزف، ويدٍ ترتجف، وعينين تتحاشيان السقوط في اليأس. كانت القصيدة رسالتها الأخيرة… أشبه باعتراف يخرج من أعماق روح على وشك الانطفاء. كتبتها، ثم طوت الورقة كما تُطوى آخر خيبة، ووضعتها فوق طاولة والدها قبل الفجر، كأنها تترك عنده قلبها نفسه.
ثم مضت إلى حجرتها، تنتظر مصيرًا لا تعرف ملامحه.
وهذه هي القصيدة كما تركتها… بلا مساس، كما رغبت روحها أن تكون:
يا بوي خلوني على كيفي اختار
يا بوي هذا العرس ما به غصيبه
يا بوي لا ترمون قلبي على النار
وتصير بكره يا جماعه مصيبة
يا بوي أنا اللي عارفه كل الأسرار
قلبي وأنا ادري في دواه وطبيبه
يا بوي أنا مليت من كثر الاشوار
والموت من شور القريب لقريبه
يبه.. يا مكرم الضيف والجار
يا سيدي يا تاج قلبي حبيبه
لو شفت دمعي تالي الليل مدرار
النوم حاربني وأنا له حريبه
في خاطري هم وهواجيس وأفكار
ما جابت الورقا من النوح أجيبه
الله يعين اللي من الهم محتار
أعيش في دنياي مثل الغريبة
الحلم الأول مات يابوي وانهار
ذبحت حلمي ليه والله عجيبة
يا بوي زاد الهم ضاقت بي الدار
صارت حياتي يا حياتي صعيبه
وش عاد لو في غرفتي ورد وأزهار
أشوفها يا بوي مثلي كئيبة
يا تاج راسي لا تحملني أوزار
تكفا طلبتك لا تزيد المصيبة
وفي الصباح، وبينما كانت أشعة الشمس تتسلل بخجل من نافذة المجلس، دخل الأب ليبدأ يومه. رأى الورقة، التقطها بلا اهتمام… لكنه ما إن قرأ السطر الأول حتى توقف.
تجمدت أنفاسه.
تعثرت عيناه.
كأن الكلمات امتدت من الورقة إلى قلبه مباشرة، تشقُّ طبقات السنين، تفضح غفلته، وتكشف حجم الألم الذي لم يره.
قرأ…
ثم أعاد القراءة…
ثم لم يستطع إكمال السطر الأخير إلا والدمعة قد أفلتت منه، لأول مرة منذ زمن بعيد.
في تلك اللحظة أدرك أنه لم يكن يحمي ابنته… بل كان يخسرها.
أدرك أن البيت بلا رضاها قبر، وأن الزواج بلا قلبها سجن، وأن القوة ليست في فرض القرار… بل في فهم الدموع التي لا تُقال.
وقف، مسح وجهه، وفتح باب غرفتها بخطوات ثقيلة.
نظر إليها جالسة قرب النافذة، كأنها تستعد لوداع العالم.
قال بصوتٍ مكسور:
“اختاري أنتِ، يا بنتي… الحياة قصيرة جدًا كي نعيشها في قفص.”
انهارت بين يديه، وذابت المسافات التي صنعها العناد بين روحيهما.
ألغى العرس في اليوم ذاته، وأعاد لابنته ما سلبته العادات: حقّها في أن تحيا.
وبعد أسابيع، تزوجت ممن اختاره قلبها. عاشا في بيت تحرسه الرضا وتضحك فيه الأيام. أما الأب… فقد صار كلما سُئل عن حكاية ابنته يقول:
“قصيدتها كانت أقوى من ألف درس… علمتني أن الحماية الحقيقية ليست في الإجبار، بل في ترك القلوب تختار.”
رسالة أخيرة لكل أب
تذكّر…
ديننا الحنيف نهى عن إجبار الفتاة على زواج لا تريده.
نهى عن كسر قلبٍ يريد النجاة.
نهى عن حمل الفتاة ما لا طاقة لها به.
فلا تكن سببًا لتعاستها اليوم… وندمك غدًا.
دَع قلبها يقرر، ودَع الحب يحميها…
فالحب الحقيقي يبني البيوت، أما الإجبار فلا يبني إلا الألم.